38 اصابة سرطانية في النجف.. تخلف واقعا مأساويا وعلامات استغراب كبيرة
في حي الانصار جنوب شرقي مركز محافظة النجف ثمة زقاق استقطب الأضواء الإعلامية التي كشفت عن حالة غامضة أثارت تساؤلات ما زالت حتى الآن بلا إجابات، .
في ذلك الزقاق تزايدت حالات الإصابة بالأمراض السرطانية بمختلف أنواعها أودت بحياة العديد من المواطنين فيما لا زال البعض منهم يتلقى العلاج على أمل ضعيف بالشفاء لتشكل حالة أشبه ما تكون بالعدوى الوبائيةزقاق الموت لم تدم رحلة علاج عبد زيد كاظم الذي يسكن الزقاق 124 في حي الأنصار أكثر من عامين حتى وافاه الاجل جراء إصابته بسرطان الرئة، هذا ما قاله أبنه الأكبر سعد، مشيرا إلى أنهم اكتشفوا إصابة الأب بالسرطان أواخر عام 2003 عندما راجع مستشفى الحكيم العام وهو يشكو من ضيق في التنفس. ويروي سعد مقتطفات عن رحلة العلاج المريرة: بدأنا علاج والدي بالحقن الكيمياوية حين لم تكن متوفرة في النجف وكنا نأتي بها من محافظة بابل بسعر يتراوح بين 15 إلى 20 ألف دينار للحقنة الواحدة. وأضاف: يوما بعد آخر تضاعف سعر الحقنة ليصل إلى 225 ألف دينار وكذلك تضاعفت حاجة والديها إليها مع تراجعت حالته الصحية، فبعد أن كانت حقنة واحدة في الشهر أصبحت حقنة كل أسبوع ثم حقنتين في الأسبوع، ما يعني 450 ألف دينار أسبوعيا وهو مبلغ لا نستطيع توفيره، كما لم ينجح العلاج بالإبقاء على حياته. الابن تساءل «هل السرطان مرض معدً»؟، معللا سبب هذا التساؤل بإصابة أفراد العائلة المجاورة لمنزلهم بالسرطان مباشرة بعد اكتشاف حالة أبيه وظهور العديد من الإصابات في الزقاق. إصابات قاتلة مختار منطقة حي الانصار الثانية احمد طاهر الميالي روى قصصا مأساوية عززها بما لديه من وثائق ومستمسكات عن المصابين بالسرطان قدمها الى المجلس البلدي ومجلس المحافظة والحكومة المحلية على امل الحصول على مساعدات لهذه العوائل او ايجاد حلول للمصاعب التي تواجهها. وألمح الى ان معظم هذه العوائل باتت ترفض اجراء اللقاءات الصحفية او التلفزيونية بعد كثرة الزيارات والأسئلة ونقل صورة حية عن الواقع المأساوي لهذه العوائل لكن من دون وضع أية معالجات جادة لمعاناتهم. الميالي كشف ان اغلب المصابين توفوا بعد عامين من تلقي العلاج، اما من لا تمكنهم حالتهم المادية من الحصول على العلاج فلم يعيشوا اكثر من ستة اشهر اذ وصل سعر حقنة العلاج الكيمياوي الى 225 الف دينار ولا تتوفر الا في صيدلية واحدة في محافظة بابل، مؤكدا ان مدير الصحة في النجف وعد قبل عام تقريباً بتوفيرها لكنه لم يف بوعده حتى الآن. وتابع: قمنا بمراجعة دائرة الرعاية الاجتماعية للحصول على معونات لمرضى السرطان الا انها اعتذرت بأن الاصابات السرطانية غير مشمولة برواتب شبكة الحماية الاجتماعية، وما يثير الاستياء ان المسؤولين في شبكة الحماية الاجتماعية يماطلون في انجاز معاملات العوائل التي فقدت معيلها جراء الاصابة بالسرطان على الرغم من ان الارامل والايتام من الفئات المشمولة برواتب الشبكة، كما لم يحرك مجلس المحافظة ساكنا بهذا الخصوص. 38 اصابة في محلة واحدة الميالي اكد تسجيل 38 اصابة سرطانية ضمن المحلة السكنية التي يديرها توفي اغلبهم ولم يبق منهم على قيد الحياة سوى اربعة او خمسة مصابين، مشيرا الى ان من بين المصابين طفلة اضطر والدها الى بيع سيارته وهي مصدر رزقه الوحيد لاجراء عملية رفع ورم من الدماغ لابنته وهو الان عاطل عن العمل. ونوه بأن والد الطفلة لينا رشدي كاظم وعمرها اربع سنوات قام ببيع حصته في بيت ابيه واستئجار بيتا له من اجل توفير المال لعلاج الطفلة في بغداد، وكذلك الحال مع عائلة الطفلة رسل فاهم التي كلف علاجها ملايين الدنانير حتى الان. وعزا المختار احمد طاهر الميالي تناقض الاحصائيات الى ان وزارة الصحة تعتمد على شهادات الوفاة، مؤكدا انهم اكتشفوا ان العديد ممن توفوا بالسرطان تم تسجيل اسباب اخرى لوفاتهم في شهادات الوفاة التي اصدرتها المستشفى كتوقف القلب المفاجئ أو الجلطة او غير ذلك لكي لا تدخل في احصاء الاصابات السرطانية على الرغم ان المتوفين لديهم دفاتر العلاج الكيمياوي ويراجعون المستشفى نفسها منذ مدة لتلقي العلاج. العلاج الاشعاعي الدكتور عماد كريم علوان اختصاص معالجة الاورام في مستشفى الصدر التعليمي اشار الى ان وحدة الاورام في المستشفى تغطي مرضى النجف ومحافظات كربلاء والديوانية والمثنى وبعض الحالات من بابل، فضلا عن قيام صحة النجف بتوفير القسم الاكبر من الادوية وما زالت هناك شحة وهو امر يرهق المريض لان العمل بالبدائل بالنسبة للاصابات السرطانية غير مفيد. والمح الى ان توفير ادوية اكثر تطورا مكلف جدا وهو امر يقع على عاتق الدولة اذ يصل سعر (شريط) نوع من العلاج الى ثلاثة الاف دولار وهو ما لا تستطيع صحة النجف توفيره حسب الامكانيات المتاحة لها. ويضيف علوان بأن الشفاء من السرطان يحتاج الى علاج اشعاعي وهذا الجهاز غير متوفر سوى في بغداد ما يشكل زخما كبيرا في مواعيد تلقي العلاج لتصل الى ستة اشهر احيانا، ما يستدعي توفير اجهزة اضافية اذ ان طبيعة الورم السرطاني تتطلب العلاج السريع لمنع انتشاره. والمح الى ان سعر الجهاز خمسة ملايين دولار «وهو رقم لا يصل الى كلفة العديد من المشاريع الثانوية التي بالامكان تأجيلها الى اوقات اخرى لكن حياة الانسان غير قابلة للتأجيل، فضلا عن ان تكاليف علاج المرضى العراقيين خارج البلاد تتجاوز هذا الرقم بكثير اذ تصل كلفة جلسة الاشعاع الواحدة الى 6500 دولار». ولفت الى أن الادوية الاخرى متوفرة بنسبة 90 بالمئة «الا ان الامر لا يقاس بهذه الطريقة فعندما يكون المصاب بحاجة الى اربعة انواع من الادوية والمتوفر منها نوعان او ثلاثة لا يكون العلاج مجديا». وتساءل الدكتور علوان «اذا كانت الدولة بامكانياتها الضخمة لا تستطيع ان توفير علاج السرطانية في مؤسساتها كيف استطاعت الصيدليات الاهلية توفيره وكيف يسمح لها ببيعه على الرغم من انها لا تملك شهادة فحص لهذه الادوية»؟. وفيما يتعلق بزيادة حالات الاصابة واسبابها قال علوان: هناك زيادة في كل عام بلغت 200 حالة سنويا، وهذه الزيادة ليست في العراق فقط بل على مستوى العالم اما الاسباب فما زالت مبهمة وهناك الكثير من النظريات حولها ولكن في العراق هناك سبب رئيس وهو زيادة نسبة الاشعاع بسبب الحروب الاخيرة، الى جانب اسباب اخرى بينها عوادم المولدات الكهربائية في المنازل والشوارع واستهلاك منتجات غذائية مصنعة ومعدلة وراثيا. لجان يكذب بعضها بعضاً عضو المجلس المحلي ثامر الوائلي كشف أن الإصابات السرطانية في حي الأنصار تعود إلى عام 1998، إلى جانب العديد من الشكاوى التي قدمها المواطنون منذ عام 2003 وتم رفعها إلى مجلس المحافظة والجهات المختصة «لكن دون جدوى». وتابع: شكلنا غرفة عمليات للعمل على محورين الاول اكتشاف مسببات الإصابة بالسرطان والثاني رفع الأذى عن المواطنين، وتمت الاستعانة بلجنة الرصد الإشعاعي في جامعة الكوفة للوقوف على المسببات التي اكتشفت وجود نسبة عالية من غاز الرادون في أماكن محدد من الحي المذكور، وهو من الغازات المسببة للسرطان. وأضاف: بعد أن نشرت جريدة «الصباح» التقرير الذي أعدته لجنة الرصد الإشعاعي شكلت الأمانة العامة لمجلس الوزراء لجنة ضمت في عضويتها ممثلين عن وزارات الصحة والبيئة والعلوم والتكنولوجيا زارت الحي مع موفد من مكتب رئيس الوزراء خرجت بعدة توصيات. وألمح الوائلي إلى أن لجنة الأمانة العامة ولجنة وزارة الصحة نفتا وجود نسبة عالية من غاز الرادون وأكدتا على انها «لم تتجاوز المستوى الطبيعي بل انها قليلة جدا»، معربا عن استغرابه من هذا النفي بالرغم من اطلاع هاتين اللجنتين على تقرير لجنة جامعة الكوفة وعدد الإصابات السرطانية في حي الأنصار ورفع التوصيات بِشأنها. وكشف الوائلي عن تباين في الإحصائيات بهذا الصدد، ففي الوقت الذي سجل في المجلس البلدي لحي الأنصار 46 إصابة بحسب آخر إحصائية في عام 2008 تركزت أغلبها في الزقاق 23 والمحلة 124، تصرّ دائرة الصحة في المحافظة على أن عدد الإصابات أقل من ذلك بكثير «ولا نعلم ما هو السبب وراء ذلك؟». وعود عمرها سنين وعلى صعيد الدعم المادي أشاد عضو المجلس المحلي بدور جريدة «الصباح» التي كان لها دور كبير بتسليط الضوء على معاناة أهالي حي الأنصار بعد نشر أكثر من تقرير عن هذه الحالة، مؤكدا أنه أمام الضغط الإعلامي خصص مجلس محافظة النجف مبلغ 500 ألف دينار لكل عائلة لديها إصابة سرطانية. ونوه بأن هذا المبلغ لا يكفي لجلسة علاجية واحدة وتم الاتفاق مع مجلس المحافظة على زيادته إلى مليون و500 ألف دينار «لكن لم تحصل على هذه المنحة سوى عوائل معدودة». وتابع بأن اللجنة التي شكلتها الأمانة العامة لمجلس الوزراء أوصت بتخصيص منح ومعونات مالية أو قروض للعوائل المصابة وتغطية تكاليف العلاج من قبل وزارة الصحة، فضلا عن منح المصابين كوبونات شبيهة بالدفتر الصحي للأمراض المزمنة. وأكد الوائلي على أن اللجنة شددت على صرف المعونات كدفعات سريعة عاجلة واستثنائية لأهمية الحالة ولتجاوز الحلقات الروتينية، «إلا أن هذه التوصيات التي صدرت منذ منتصف عام 2008 لم يؤخذ بها ولم يتحقق منها شيء على أرض الواقع حتى هذا الوقت». نفي رسمي دائرة صحة النجف سجلت 22 إصابة سرطانية في حي الأنصار خلال عام 2009 تضمنت المتوفين والمستمرين بتلقي العلاج، في حين بلغت الإصابات في عموم المحافظة 546 حالة توفي منها 355 حالة بحسب إحصائية عام 2008، وبالمقارنة مع تعداد نفوس محافظة النجف فأن النسبة المئوية للإصابة هي 0,04 بالمئة أما نسبة الوفيات فهي 6 بالمئة إذ أن العدد الإجمالي للوفيات في ذلك العام كان 5683 حالة وفاة. مدير عام صحة النجف الدكتور رضوان الكندي أكد أن نسب الإصابات السرطانية في المحافظة أقل من الحدود الطبيعية، مردفا بأن نسبة الإصابات في حي الانصار بانها ليست أكثر من باقي مناطق وأحياء السكنية النجف وهناك أحياء فيها إصابات أكثر منه. وبين أن ما حدث في هذا الحي هو ظهور إصابات متعددة في شارع واحد ما سلط الأضواء الإعلامية عليه، موضحا أن الإصابات لم تقتصر على نوع واحد من السرطان بل هناك سرطان الرئة والدم والرحم وغيرها «ولكن شاءت الصدفة ان تظهر في هذا الشارع».ولفت إلى أن اللجان التي شكلت لفحص المنطقة لم تعثر على نشاط إشعاعي مؤثر كما ان فحص التربة اثبت عدم وجود تلوث يسبب السرطان، مشددا على أن نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية سواء في حي الأنصار أو عموم المحافظة ضمن الحدود الطبيعية حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية. وكشف الدكتور الكندي عن برنامج تنفذه الدائرة بالتنسيق مع وزارة الصحة لإجراء مسح وفحوصات ميدانية لحي الأنصار من طريق العيادة المتنقلة يومي الأحد والأربعاء أسبوعيا للتأكد والحصول على نتائج أكثر بهذا الصدد. وفي الجانب العلاجي قال: هناك محوران هما الأدوية الكيمياوية التي توفر الوزارة 70 إلى 80 بالمئة منها ولدينا صلاحيات لشراء 20 بالمئة ما يعني توفر هذه العلاجات بنسبة لا تقل 90 بالمئة من حاجة المحافظة، أما العلاج الذري فغير متوفر إذ أنه يحتاج إلى مركز متخصص فيه معجل خطي للإشعاع الذري وهناك خطة مستقبلية لإنشاء مركزين من هذا النوع في بابل والبصرة.


إكتب تعليق