الأقليات المسلمة ترسم الجغرافية السياسية ديمقراطيا
مرت على وجه البسيطة أمم وأجيال وأقوام، طويت تحت عباءة النسيان أكثرها، والقليل منها نلمحها مما تركته من آثار، والقلة القليلة لا زال النفس يصعد في صدرها وينزل، وإذا ما أنعمنا البصر في ما آلت إليه، سيقفز في ناظرينا وجودها القائم منذ عهود طويلة بفضل مشاريع حيوية ابتنتها لنفسها على صعيد فردي وعلى صعيد مجتمعي، فظلت هذه المشاريع تنمو كشجرة مثمرة تغذي أصحابها.
والمشروع بغض النظر عن أغراضه يحمل معه أعواد ديمومته، فهو البناء والاستمرارية، وهو يعادل البقاء، والبقاء يساوي الحياة، فالمشروع إذن هو الحياة، فيحيى الشخص إسماً وإن عفّر تراب القبر رسمه، كما أن المشاريع المفيدة تكسب عزّاً لأبناء صاحب المشروع وأحفاده، وهي في الوقت نفسه تكسب المجتمع عزا وفخرا.
وأعظم المشاريع وأبقاها تلك التي ترتبط بشخصية فاعلة، ويتقرب منها طلباً لرضاها، فمرة ينسب المشروع إلى الممول نفسه، ومرة ينسب إلى شخصية أممية يسعى الممول إلى التسمي بتلك الشخصية التي تمثل الخير أو أنها الخير كله، ويبلغ الحب مبلغا بحيث يوقف الواهب رأسمال المشروع وعائداته وريعه لشخصية مرموقة أو جمعية خيرية، وبالتالي فهو يحاول الظفر بالأجر المعنوي في دنياه وآخرته، وحتى الذي لا يؤمن بجنة أو نار فإنه يوقف جزءاً من ثروته على مشاريع خيرية وهو يعلم في قرارة نفسه أن مشروعه سيدوم من بعده وتستفيد منه أجيال مختلفة، وهو ما يشعره بالسعادة والغبطة، فهذا الشعور يحمل في طياته إيمان الواقف أو المتبرع بديمومة الحياة، ويفيض رغبة جامحة في الخلود.
فالمرء حيث وظف أمواله وطاقاته، والخلود كل الخلود للمشروع الذي يرتبط بشخصية عظيمة أعطت أغلى ما تملك لله والإنسانية من أجل صلاح الأرض وإعمار النفوس والأبدان، ولذلك تخلد المشاريع بخلود عناوينها، لأن أي نشاط يصب في صالح البشرية هو مشروع ناجح وخيره عميم، وما كان لسعادتها كان لله، وما كان لله كان حقاّ على رب البشرية أن يطرح فيه البركة والنمو، لأن ما كان لله ينمو، والنماء هو الديمومة والبقاء، والبقاء هو السعادة والهناء، والهناء هو الخير العاجل والخلود الآجل.
وحيث أن الارتباط بالخالد هو رغبة كل إنسان يتطلع إلى الخلود بعد رحيله عن ظهر الأرض، فإن الكثير من المشاريع الخيرية في أغراض شتى ارتبطت بشخصية سبط النبي محمد (ص) الإمام الحسين (ع) بوصفه قتيل العِبرة والعَبرة، ولا تكاد بقعة من بقاع الأرض تخلو من مشروع خيري حسيني وضع فيها الواهب أو الواقف ماله فيه لخدمة الإنسانية، وهي في معظمها تدار بشكل طوعي، ولأن دائرة المعارف الحسينية يقع على عاتقها متابعة هذه المشاريع، فقد أفرد مؤلفها البحاثة الشيخ محمد صادق الكرباسي بابا خاصا من مجموع أبواب الموسوعة الستين، إذ صدر حديثا (1431 هـ = 2010 م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن الجزء الأول من كتاب "معجم المشاريع الحسينية" في 420 صفحة من القطع الوزيري.
حركة التاريخ
يمثل التاريخ حركة الزمن في طول حركة الإنسان والأمم، والتاريخ هو منظومة حوادث تصنعها حركة هذه الأمة أو تلك، وللظروف دخل فيها، ولكن الظروف هي الأخرى من عمل الإنسان حتى وإن بدت عفوية، فالتاريخ في محصلته النهائية هو من صنع الإنسان نفسه، والأمة كأية أمة لا تعيش ظروفها الآنية منقطعة عن الماضي لأن تاريخها الآني هو حصيلة تراكمات لتاريخ سابق لصيق بحركة أسلافها، وهي في الوقت نفسه حلقة وصل لحركة أخلافها، ولذلك تشدد كل أمة متمدنة وحضارية على تقويم ذاتها حتى تنقل لمن يخلفها من الأبناء والأحفاد تجربة طيبة، وهذا التوجه ينطبق على حركة الإنسان في المجتمع وحركة المجتمع في الأمة وحركة الأمة في الواقع الإنساني.
ولا شك أن مكونات التاريخ لا تسبح في فضاء مفتوح وإنما تتحرك على الأرض، ومساحة الأرض تتقلص أو تتوسع تبعا لحركة المجتمع ولما يحمله من مشاريع لحياة البشرية وسعادتها، ولذلك يعين البحاثة الكرباسي في "معجم المشاريع الحسينية" فصلا واسعا تحت عنوان "النشأة الإسلامية للتاريخ والجغرافية" يتناول بالتأريخ والأرقام والنسب حركة الإسلام والمسلمين من المدينة المنورة العاصمة الأولى المتشكلة سنة 1 للهجرة حتى يومنا هذا، وهو في جولته التاريخية والجغرافية يتابع نشأة المسلمين للتاريخ والجغرافية عبر القرون، محاولا في الوقت نفسه اقتناص المشاريع التي أنشأها المسلمون وأوقفوها باسم الإمام الحسين (ع) بلحاظ أن نهضة الإمام الحسين المكملة لحركة التغيير التي انطلقت في مكة المكرمة على يد النبي الأكرم محمد (ص) الذي قال في سبطه: "حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً" (صحيح الترمذي: 13/195).
وفي حركته البحثية يتوقف المؤلف عند نهاية كل قرن ليخرج بأهم حصيلة تركتها حركة المسلمين على مستوى التاريخ والجغرافية من توسع أو انحسار وقيام حكومة أو اندثار أخرى، وقد لاحظ وهو ينهي "معجم المشاريع الحسينية" بنهاية القرن الرابع عشر الهجري (1979 م) أن هناك تعمداً من قبل بعض الهيئات غير المسلمة بتقليل عدد نفوس المسلمين بخاصة في المجتمعات التي يشكل فيها المسلمون أقلية، وقد يصل الفرق إلى 300 مليون إنسان مسلم.
ويلاحظ أن البعض من المسلمين على مستوى أفراد ومؤسسات يأخذ بالأرقام الغربية كمسلّمة دون تمحيص، ولكن الأكيد وحسب ما أعلن عنه السيد مونسينغور فيتوريو فورمنتي (Monsinfnor Vittorio Formenti) معد كتاب "أرقام الفاتيكان الإحصائية للعام 2008 م" أن أعداد المسلمين فاقت أعداد المسيح الكاثوليك فالمسلمون يبلغون 19 في المائة من سكان الأرض في مقابل 17,4 في المائة هم كاثوليك، في حين يبلغ نسبة كل المسيح وفق إحصائية الفاتيكان 33 في المائة، وقد أخذت الإحصائية بعدد سكان الأرض لعام 2006 م الذي بلغ 6,6 مليار، ووفق نسب الفاتيكان التي تمثل رأس الكنيسة الكاثوليكية فإن نفوس الكاثوليك بلغ 1,1 مليار إنسان فيما ارتفع عدد المسلمين إلى 1,3 مليار إنسان (جريدة مترو METRO اللندنية اليومية بتاريخ الجمعة 9/10/2009 م)، وأكد معد الإحصائية هذه الأرقام في لقاء صحافي مع جريدة (L'Osservatore Romano) الأسبوعية الصادرة عن الفاتيكان. (انظر: تقرير مراسلة وكالة رويتر سيلفيا ألويسي – Silvia Aloisi- بتاريخ 30/3/2003 م)، بيد أن المحقق الكرباسي يقرر حسب ما توصل إليه في جدول إحصائي أن: (نسبة المسلمين في العالم هي الثلث ونسبة المسيحيين هي الثلث ونسبة الأديان الأخرى مجتمعة هي الثلث، فإذا كان ن


إكتب تعليق